الصفحة الرئيسية » بحوث ومقالات الشيخ

وقفة مع فضل شهر الله المحرم ومكانته

الكاتب : الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي

  لحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

 

فإن أهل الإسلام يستقبلون دائمًا مع بداية العام الهجري شهر الله المحرم، وهو شهرٌ شريفٌ مباركٌ، عظيم القدر والمنزلة، كما أنه محطة إيمانية كبرى، متجددة بفضائلها، زاهرة بأحداثها العظيمة التي تستوجب منا إمعان النظر، وإطالة الوقوف معها، وعميق التدبر فيها.

وإن أول ما يستوقف المسلم في إيمانه وعمله وهو مقبل على هذا الشهر المبارك شهر الله المحرم، عدة أمورٍ مهمةٍ، منها:

1- تعظيم الأشهر الحرم:

فإن شهر المحرم هو أحد الأشهر الحرم الأربعة التي اصطفاها الله تعالى وخصَّها بالتعظيم والتشريف في محكم كتابه من بين سائر الشهور القمرية والعربية، ورفع قدرها وحرمتها منذ أن خلق الكون والوجود؛ حيث قال سبحانه وبحمده: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 36]، وقد جاء البيان النبوي ليفصل هذه الأشهر الأربعة ويوضح معالمها؛ فعن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ"؛ رواه البخاري ومسلم.

وهذا التخصيص والتعظيم الشرعي للأزمنة والأمكنة ليس أمرًا اجتهاديًّا مرده إلى أذواق الناس وعاداتهم، وإنما هو توقيف من الله عز وجل، فالله سبحانه هو الذي اختار بعض الأماكن ففضلها على غيرها، واختار بعض الليالي ففضَّلها على غيرها، واختار بعض الأيام ففضَّلها على غيرها، واختار بعض الشهور فجعل لها من الحرمة والفضل ما ليس لغيرها، وتأمل كيف ربط الله حكم هذه الأشهر بيوم خلق السماوات والأرض، وكأن الآية تشير إلى أن حرمة هذه الأشهر ليست طارئة ولا حادثة، بل هي تشريع رباني قديم، سابق لوجود البشر أنفسهم.

قال ابن رجب الحنبلي: وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل؛ فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، ورجحه طائفة من المتأخرين. روى وهب بن جرير، عن قرة بن خالد، عن الحسن قال: إن الله افتتح السنة بشهرٍ حرامٍ، وختمها بشهرٍ حرامٍ، فليس شهرٌ في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم، وكان يسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه؛ [لطائف المعارف: ص: 34، ابن حزم].

ومن هنا وجب على المسلم تعظيم حرمة هذا الشهر ورعايتها، وقد أكَّد الله تعالى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾، ومعنى الآية: فلا تظلموا أنفسكم في هذه الأشهر الحرم بالوقوع في الظلم والبغي والقتال، وارتكاب الذنوب والمعاصي؛ لأن ذلك كله يعد ظلمًا للنفس، وأكثر إثمًا وجرمًا لحرمتها؛ ولهذا يجب احترامها وتعظيمها.

قال قتادة: "إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حالٍ عظيمًا".

وقال ابن كثير الدمشقي: قال محمد بن إسحاق: "أي: لا تجعلوا حرامها حلالًا، ولا حلالها حرامًا كما فعل أهل الشرك، فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، وهذا القول اختيار ابن جرير". [تفسير ابن كثير: 148/4، تحقيق سامي السلامة].

ومن هنا فإن هذا التخصيص الإلهي يُلْقي في قلب المؤمن هيبةً عظيمةً؛ فإذا كان الظلم والمعصية محرَّمين في كل وقت وحين، فإن الخطورة تشتد والعقوبة تتضاعف في هذه الأشهر الحرم، وكما أن السيئات تشتد خطورتها وعقوبتها، فإن الحسنات والصالحات والطاعات في هذه الأزمان المعظمة تعظم أجورها وتتضاعف بركتها.

وهذا يوجب على المسلم اللبيب الحذر التام، واليقظة الكاملة من مقاربة الذنوب والمعاصي، والابتعاد الشديد عن الظلم بشتى أنواعه: ظلم النفس بالشرك والذنوب، وظلم العباد في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وهذا يمثل قاعدة وقائية لحماية السلوك الإنساني؛ إذ إن اقتراف الذنب في زمنٍ معظَّمٍ يدل على ضعفٍ في منسوب التعظيم لِشعائر الله تعالى؛ مما يؤثر سلبًا على بناء المسلم الإيماني والنفسي، ويستوجب رفع درجة الرقابة الذاتية على النفس، وكف الجوارح عن المخالفات الشرعية بشتى صورها.

لأن محاسبة النفس ومجاهدتها أمرٌ واجبٌ؛ لأنها تثمر فيها دوام المراقبة لله في السر والعَلَن، وكمال استسلامها لصاحبها، فلا تأمره إلا بخير، ولا تنقاد له إلا في الطاعة والهدى؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  [الحشر: 19،18]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا  [آل عمران: 30].

وقد اتفق السالكون إلى الله تعالى على أن النفس قاطعةٌ بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد مجاهدتها ومحاسبتها، كما قال جل ذكره: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا  [الشمس: 7 - 10]، وقال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  [العنكبوت: 69]، وقال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى  [النازعات: 41،40].

وجاء في حديث زيد بن أرقم، قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والبخل، والهرم، وعذاب القبر، اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوةٍ لا يُستجاب لها"؛ رواه مسلم.

وروي عن مالك بن دينار أنه قال: "رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمَّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدًا".

وروي أيضًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر، ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ  [الحاقة: 18]، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا.

وروى عن ميمون بن مهران، قال: لا يكون العبد تقيًّا حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه من أين مطعمه وملبسه.

2- استحباب الصيام عامة وصيام يوم عاشوراء خاصة:

ومما يستوقف المسلم أيضًا في شهر الله المحرم، ويستحب له الحرص عليه: عمارة أيامه وأوقاته بالعبادة والتقرب إلى الله تعالى، والتي من أفضلها: عبادة الصيام، فهي من أفضل التطوع المستحب بعد شهر رمضان المبارك، وقد ثبت هذا الفضل فيما رواه أحمد، من حديث أبي هريرة، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ؟ قَالَ: "الصَّلاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ"، قِيلَ: أَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟ قَالَ: "شَهْرُ اللهِ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ".

وكذلك من أفضل الأعمال المستحبة: الحرص على صيام يوم عاشوراء خاصةً؛ لما ثبت له من الفضل والمنزلة الكبيرة، والأجر العظيم، فيما رواه البخاري في صحيحه، من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ: "كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ الفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ".

وروى مسلم في صحيحه، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَهُ، وَالْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ".

وروى الشيخان أيضًا في الصحيحين، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْهَرَ اللهُ فِيهِ مُوسَى، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ".

وروى مسلم كذلك في صحيحه، من حديث أبي قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ".

وفيه أيضًا من حديث ابن عباس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ"، وَفِي رواية أبي بكر: قَالَ: يَعْنِي يَوْمَ عَاشُورَاءَ.

ومن جملة هذه الأحاديث يتبين لنا فضل صيام يوم عاشوراء على وجهٍ أخص، فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على صيامه في مكة المكرمة، ثم صامه وأمر الناس بصيامه في المدينة النبوية بعد الهجرة، ثم لما فرض صيام شهر رمضان، ترك الأمر بصيام يوم عاشوراء على سبيل الإلزام، فمن أحب صامه، ومن شاء تركه، ثم عزم في آخر حياته صلى الله عليه وسلم أن يضم إلى يوم عاشوراء يومًا قبله مخالفة لأهل الكتاب في صيامه وهو اليوم التاسع الذي يسبقه، لكنه توفي من عامه صلى الله عليه وسلم.

فالحرص على صيامه منقبة عظيمة، وأجر كبير، ورفعة في الدرجات، ومغفرة للسيئات، واتباعٌ لسُنَّة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وتعظيم لشعائر الله تعالى، مع التنبيه على أهمية البُعْد عن المخالفات التي أحدثها بعض الناس في يوم عاشوراء، فمنهم من يعظمه ويغلو فيه حتى يجعله يوم عيدٍ وفرحٍ وسرورٍ، فيشابه اليهود في ذلك، ومنهم من يجعله يوم مأتمٍ وحزنٍ وعويلٍ، ولطمٍ للخدود وضربٍ للظهور، وشقٍّ للجيوب، كفعل الشيعة الرافضة زعمًا منهم أنه نصرة للحسين بن علي رضي الله عنهما، وهذا كله من المخالفات والغلو المرفوض في شريعتنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

نشر في شبكة الألوكة

   

    الصفحة الرئيسية  اا  تواصل معنا

  العودة إلى الخلف          اطبع هذه الصفحة أضف هذا الموقع للمفضلة لديك