|
عبادة الصيام،
فهي من أفضل التطوع المستحب بعد شهر رمضان المبارك، وقد ثبت
هذا الفضل فيما رواه أحمد، من حديث أبي هريرة، قال: سئل
النبي صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ
الْمَكْتُوبَةِ؟ قَالَ: "الصَّلاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ"،
قِيلَ: أَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟ قَالَ:
"شَهْرُ اللهِ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ".
وكذلك من أفضل
الأعمال المستحبة: الحرص
على صيام يوم عاشوراء خاصةً؛ لما ثبت له من الفضل والمنزلة
الكبيرة، والأجر العظيم، فيما رواه البخاري في صحيحه، من
حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ: "كَانَ
يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ،
وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ
بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ
الفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَكَانَ مَنْ شَاءَ
صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ".
وروى مسلم في
صحيحه، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ أَهْلَ
الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ،
وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
صَامَهُ، وَالْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ
رَمَضَانُ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ، قَالَ رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ عَاشُورَاءَ
يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ
شَاءَ تَرَكَهُ".
وروى الشيخان
أيضًا في الصحيحين، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ:
قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ
عَاشُورَاءَ فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: هَذَا
الْيَوْمُ الَّذِي أَظْهَرَ اللهُ فِيهِ مُوسَى، وَبَنِي
إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ
تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: "نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَأَمَرَ
بِصَوْمِهِ".
وروى مسلم كذلك في
صحيحه، من حديث أبي قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ
يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي
بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى
اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ".
وفيه أيضًا من
حديث ابن عباس، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ"،
وَفِي رواية أبي بكر: قَالَ: يَعْنِي يَوْمَ عَاشُورَاءَ.
ومن جملة هذه
الأحاديث يتبين لنا فضل صيام يوم عاشوراء على وجهٍ أخص، فقد
حرص النبي صلى الله عليه وسلم على صيامه في مكة المكرمة، ثم
صامه وأمر الناس بصيامه في المدينة النبوية بعد الهجرة، ثم
لما فرض صيام شهر رمضان، ترك الأمر بصيام يوم عاشوراء على
سبيل الإلزام، فمن أحب صامه، ومن شاء تركه، ثم عزم في آخر
حياته صلى الله عليه وسلم أن يضم إلى يوم عاشوراء يومًا قبله
مخالفة لأهل الكتاب في صيامه وهو اليوم التاسع الذي يسبقه،
لكنه توفي من عامه صلى الله عليه وسلم.
فالحرص على صيامه
منقبة عظيمة، وأجر كبير، ورفعة في الدرجات، ومغفرة للسيئات،
واتباعٌ لسُنَّة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وتعظيم
لشعائر الله تعالى، مع التنبيه على أهمية البُعْد عن
المخالفات التي أحدثها بعض الناس في يوم عاشوراء، فمنهم من
يعظمه ويغلو فيه حتى يجعله يوم عيدٍ وفرحٍ وسرورٍ، فيشابه
اليهود في ذلك، ومنهم من يجعله يوم مأتمٍ وحزنٍ وعويلٍ،
ولطمٍ للخدود وضربٍ للظهور، وشقٍّ للجيوب، كفعل الشيعة
الرافضة زعمًا منهم أنه نصرة للحسين بن علي رضي الله عنهما،
وهذا كله من المخالفات والغلو المرفوض في شريعتنا وسنة نبينا
صلى الله عليه وسلم. |